أبي منصور الماتريدي

369

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

طعامهم ذلك اللطيف الذي يبقى في النفس . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً : فجائز أن تكون هذه البشارة خرجت لأهلها في الدنيا . وجائز أن تكون لهم في الآخرة : أن هذا الذي أكرمتم به من الكرامات جزاء لعملكم وسعيكم في الدنيا . قوله تعالى : [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 23 إلى 31 ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ( 23 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ( 24 ) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 25 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ( 26 ) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ( 27 ) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ( 28 ) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 29 ) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 31 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا : قيل : فرقنا عليك القرآن تفريقا ، والحكمة في التفريق ما ذكر في آية أخرى في القرآن ، وهو قوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [ الفرقان : 32 ] ، فأخبر أن في التفريق تثبيتا ؛ فيكون الناس له أوعى وأعرف بمواقع النوازل منه من أن ينزل جملة واحدة . ثم أضاف التنزيل إلى نفسه هاهنا ، وأضاف إلى جبريل - عليه السلام - في قوله - عزّ وجل - : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 ، 194 ] ، وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [ الحاقة : 40 ] ، وقال في آية أخرى : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] ، فأضافه إلى نفسه ، وقال : فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ البروج : 22 ] . فهذا كله على مجاز الكلام ليس على الحقيقة ؛ فحق كل من ذلك أن يصرف إلى ما إليه أوجه ، وإلى ما يستجيز الناس من التعامل فيما بينهم بذلك الكلام ، فإذا قيل : هذا في اللوح ، فهم به ، وأريد منه : أنه مكتوب فيه ، وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] معناه : حتى يسمع كلاما يدله على كلام الله تعالى لا أن يكون ذلك كلامه . وأضافه إلى جبريل - عليه السلام - لأنه من فيه تلقاه ، لا أن يكون ذلك كلام جبريل ، عليه السلام . ثم قد ذكرنا الحكمة في إنزال القرآن مفرقا قبل هذا الفصل الكافي منه . ثم جائز أن يكون التفريق ؛ لمكان أتباع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، [ ليس ] « 1 » لمكانه ؛ لأن الله -

--> ( 1 ) سقط في ب .